توقف القطار فى مجطة القريه..ونزلت اتلفت باحثا عن ابن عمى فؤاد..كل شيئى فى البلدة قد تغير
عندما غادرتها طفلا فى السادسه..كانت المسافه بين المحطة والقرية ارض فضاء واسعه..البيوت مبنية بالطوب اللبن..واسقفها المعرشة باكوام الحطب وعيدان الذرة الصفراء كل ذلك لم يعد له وجود
تحولت المبانى الى كتل من الطوب الحمر والخرسانات المسلحه..وفوق الاسطح تراشقت هوائيات التلفاز وصوانى الدش عوضا عن اعواد القصب.
المكان الوحيد الذى لم يتغير على الجانب الاخر من شريط السكه الحديد هو مقابر القريه..نفس الشاهد المميز لقبر
جدى مازال كما هو منقوشا بالخط الاسود الفارسى..
فجاة ظهر فؤاد يشد الخطى نحوى لنتعانق عناق الاحبه...كان الطريق من المحطة الى منزل العائلة ليس بالبعيد
الا اننا اثناء السير رحنا نستعرض ذكريات الاماكن التى نمر بها..ومن خلف المسجد الصغير سلكنا طريقا مرتفعا على جانب تل يعلوه بقايا بيت متهدم وقد بنى الى جواره قبه كتب على بابها..مقام الشيخه شفيقه
رجعت بالذاكرة الى الوراء..كانت شقيقه فتاة حليقة الشعر..ممتلئة الجسم..ولانها كانت مريضه عقليا..فقد حجزها اهلها فى غرفة لها شباك محاط بسياج حديدى..وكنا نراها ونحن صغار..قابعة فى ركن الغرفه وقد جلست القرفصاء..تضرب بكفيهاعلى فخذيها بينما نصفها العلوى يتحرك يمنة ويسره كبندول الساعه وتعلو وجهها ابتسامة بلهاء تثير فى قلوبنا الرعب..
وصلنا الى البيت وتبادلنا الاحضان والقبلات..وبعد العشاء جلسنا نتسامر فى ضوء النجوم ولما حان وقت النوم
اوصلنى فؤاد الى غرفتى متمنيا لى نوما سعيدا
حاولت النوم الا ان اصوات الضفادع وبعص الحشرات احال دون ذلك..وجدت الى جوارى كتاب قصص الانبياء
فرحت اتصفحه الى ان يداعب النوم جفونى حتى وصلت الى قصة موسى عليه السلام وما ان انتهيت منها حتى تثاقلت جفونى ولم اعد اقوى على المزيد...
واذا بالباب ينفتح فجاه..لاجد امامى امراة متشحة بلفافة بيضاء..ونصفها العلوى يتحرك كبندول الساعه وعل وجهها ابتسامة بلهاء اثارت الرعب فى اوصالى...
- انت مين؟
-انا الشيخه شفيقه..خد العصايه دى واذهب الى العمده وقول له يرجع الحقوق لاصحابها
واختفت من امامى كما ظهرت..
تناولت العصى بحذر شديد فاذا هى بيضاء كالشمع ..باردة كالثلج
ونهضت من مكانى تدفعنى قوة خفيه..كان الظلام يلف الحقول وخيل الى ان اعواد القصب المتراصه على جوانب الطريق تهتف بى لا تخف ان العصا تنقلب ثعبانا...
مان اقتربت من بيت العمده حتى استقبلنى رجلان يشبهان الى حد كبير مصارعة المحترفين
_ انت رايح فين يا وله؟
_رايح اقابل العمده
_ وعاوز ايه من العمده يا وله؟
_ عاوزه يرجع الحقوق لاصحابها
جذبنى الرجل المارد من قفايا بطريقه غير مهذبه
_ طيب تعالى معايا لما نشوف ايه حكايتك
لم اتبين معالم الغرفه التى سحبنى اليها..الا انه بادرنى بالسؤال:
_ انت منين يا وله ومين اللى بعتينك؟
وقبل ان اقول له : الشيخه شفيقه..كا نت يده ترتفع الى عنان السماء لتهوى فجاة كالصاعقه تحت مؤخرة راسى
ويبدو اننى غبت عن الوعى لثوان قليله..وانتبهت الى العصا فى يدى..اذا لقد جاء وقتها..
رجعت الى الخلف خطوه قبل ان القى بالعصا فى حركه مسرحيه استعراضه
ورحت ارقب وجوههم عندما تمتلا رعبا ورهبه..مرت لحظات خيل الى انها دهورا وركعت بركبتى محملقا فى العصا التى لم تحرك ساكنا..وبينما كنت العن فى سرى الشيخه شفيقه..كان الرجل العملاق يستعد لالقاء كميه
جديده من الصواعق..وبينما كانت يده تهبط من عنان السماء افقت مذعورا على صراخ مكتوم وما زال كتاب
قصص الانبياء معلقا بين اصابعى...
اغلقت الكتاب ووضعته جانبا..ورحت اتساءل :
ترى لو ان موسى عليه السلام بعث فى زماننا هذا..وذهب الى فرعون اميركا...بوش الابن..ليقول له :
ارفع يديك عن الاسلام والمسلمين..ولا تذبح ابناءهم..ولا تستحى نساءهم..ولا تهدم بيوتهم
ترى ماذا سيكون رد هذا الطاغيه؟
ورحت افكر فى الاجابه...وبينما انا افكر وافكر وافكر..اخذنى سبات عميق...